عماد الدين خليل
24
دراسة في السيرة
العسكرية تتقدمها مطمئنة إلى حرمة الشهر ، فأصابت غنائم عظيمة عادت بها إلى المدينة . ولكن هذا النقض للقانون الخلقي القبلي لم يلبث أن أثار عاصفة من الاستنكار في المدينة نفسها ، فما كان من محمد إلا أن أنكر صنيع أتباعه ، الذي تم وفقا لرغباته بلا خلاف ، وعزاه إلى سوء فهم لأوامره . ولم يجرؤ على إعلان شرعية الحرب ضد المشركين ، وتوزيع الغنائم حتى في الشهر الحرام ، إلا في آيات متأخرة ، بعد أن كانت الغنائم العظيمة قد أثارت مطامعه إثارة كافية » « 1 » . « وتأثرت اتجاهات النبي الدينية ، في الأيام الأولى من إقامته في المدينة ، بالصلة التي كانت بينه وبين اليهود ، وأغلب الظن أنه كان يرجو ، عقب وصوله إلى المدينة ، أن يدخل اليهود في دينه ، وهكذا حاول أن يكسبهم عن طريق تكييف شعائر الإسلام بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي . . ولم يطل العهد بمحمد حتى شجر النزاع بينه وبين أحبار اليهود ، فالواقع أنهم على الرغم مما تم لهم من علم هزيل في تلك البقعة النائية ، كانوا يفوقون النبي الأمي في المعلومات الوضعية وفي حدة الإدراك . فالفجوات المختلفة التي تكشف عنها علمه بالعهد القديم والتي كان قد تركها عارية في السور المكية ، لم يعد من الممكن أن تظل خافية عليهم . ولكن إشارتهم الساخرة إلى هذه الفجوات كانت أعجز من أن تزعزع إيمانه بصحّة ما يوحى إليه » « 2 » . « وكان على محمد أن يعوّض خسارة ( أحد ) التي أصابت مجده العسكري ، من طريق آخر ، ففكر في القضاء على اليهود ، فهاجم بني النضير لسبب واه » « 3 » . « وفي سنة 628 ( 7 ه ) حاول النبي أن يعوض فشله الظاهري في الحديبية فقاد المسلمين في حملة على المستعمرة اليهودية الغنية في خيبر » « 4 » .
--> ( 1 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ص 48 - 49 . ( 2 ) المصدر السابق ص 47 ، ولا بد من الإشارة هنا إلى تعليق لمترجمي الكتاب : البعلبكي وفارس ، ورد بصدد هذه العبارة ، ومفاده أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد علم أن التوراة مبدلة لأن فرق اليهود كانت مختلفة ، وإن السامريين ( اليهود الذين يسكنون اليوم في نابلس - قبل قيام إسرائيل - ) يقولون إن لديهم توراة هي الصحيحة ، بينما التوراة التي يملكها سائر اليهود غير صحيحة . ثم أن في العهد القديم أساطير كثيرة ، فإذا كان محمد قد رفضها فإنه قد فعل ذلك على أساس علمي و ( رفض الخطأ ليس جهلا ) : المترجمان ، حاشية 1 ص 47 . ( 3 ) المصدر السابق ص 52 . ( 4 ) المصدر السابق ص 56 ، وما لبث بروكلمان أن ذكر في نفس الصفحة أن المستقبل ما عتم أن برر موقف النبي في الحديبية ؟ !